توفيق زياد القائد الميداني

البيت > مدونة > توفيق زياد القائد الميداني

مدونة | توفيق زياد القائد الميداني

توفيق زياد القائد الميداني

 





 

يحيى يخلف

الجمعة 4/7/2014

 

كان الحزب الشيوعي الوعاء الذي نضجت فيه تجربته، والأداة التي شقّ من خلالها طريقه عندما كانت كل الطرق مغلقة. وتعلّم واكتسب التجارب انطلاقا من مواقعه التقدمية، وما أتاحه الحزب له من فرص ومن معتركات واشتباكات مبكرة ومن دوافع لاكتساب ثقافة إنسانية، ثقافة الحرية والتحرر، وثقافة وطنية تمثلّت في انغماسه بثقافة وتراث شعبه، وتوظيف هذه الثقافة لحماية وتعزبز الهوية، والتمسك بالأرض والحقوق، ومناهضة التمييز والتنكر للحقوق

 


 عام 1948 كان توفيق زياد في مرحلة الشباب المبكر، وكان وعيه يتشكّل وخياراته المستقبليه مفتوحة على كل الاحتمالات، وبعد الكارثة تحددت خياراته واهتماماته، ووضعته الأقدارفي المواقع التي يتعين أن يتمترس فيها، والدور الذي يجب أن يناط به ..وجد الفتى توفيق وأبناء جيله ممن بقوا في ديارهم ولم يذهبوا للمنافي والشتات، وجدوا أنفسهم جيلا بلا آباء، بلا قيادات سياسية، ولا اجتماعية أو ثقافية، وجدوا أنفسهم في دولة احتلال تصادر الأرض، وتطبق عليهم القوانين العسكرية، وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية، ولا تحترم هويتهم وثقافتهم، بل تسعى الى بث روح العدمية القومية، وتفسيخ نسيجهم الاجتماعي.
وضعته الأقدار ووضعت نخبة من رفاقه الطليعيين في الواجهة ليتحملوا المسؤولية، وليكونوا القدوة لأجيال جديدة نضج وعيها في زمن الجمر والعسف والتنكيل، الزمن الذي مكر فيه التاريخ.
وكان الحزب الشيوعي الوعاء الذي نضجت فيه تجربته، والأداة التي شقّ من خلالها طريقه عندما كانت كل الطرق مغلقة. وتعلّم واكتسب التجارب انطلاقا من مواقعه التقدمية، وما أتاحه الحزب له من فرص ومن معتركات واشتباكات مبكرة ومن دوافع لاكتساب ثقافة إنسانية، ثقافة الحرية والتحرر، وثقافة وطنية تمثلّت في انغماسه بثقافة وتراث شعبه، وتوظيف هذه الثقافة لحماية وتعزبز الهوية، والتمسك بالأرض والحقوق، ومناهضة التمييز والتنكر للحقوق، بل إنّ السياسات الإسرائيلية سعت الى التخلص من هذه الأقلية العربية التي لم يكن تعدادها يزيد عن مئة وخمسين ألفا، من خلال مذابح تشيع الرعب وتعيد انتاج ما حدث عام 48 حين أسفرت مجازر العصابات الصهيونية عن تهجيرالشعب الفلسطيني واقتلاعه ونفيه، وما كانت مجزرة كفرقاسم الا نموذجا، وفشلت مجزرة كفرقاسم في تحقيق اهدافها، وبدأت تتبلور حالة نهوض وطني، ويقظة شعبية، وانخراط الناس في العمل السياسي والمظاهرات المطالبه بالحقوق والمساواة، وانتعشت الهوية الوطنية بأبعادها القومية، وتشكلت تجمعات جديدة مثل حركة الأرض، وحركة أبناء البلد، لكنها لم تستطع أن تأخذ زمام المبادرة من الحزب الشيوعي، الذي سعى لتشكيل اطار أوسع بقيادته من خلال تأسيس التجمع من أجل السلام والمساوة، وكان توفيق زيّاد من تلك النخب التي حققت انجازات من خلال برامج وسياسات في استقطاب الجماهير العربية، والتي برز من خلالها أيضا شخصيات أخرى مثل توفيق طوبي، وحنّا نقارة، واميل توما، وإميل حبيبي، وقامات أخرى كثيرة، واستطاعت الوصول الى عضوية الكنيست، ورئاسة البلديات والمجالس المحلية، كما دافعت عن الأرض، ولعب حنا نقارة الدور الأبرز في هذا المجال، وأطلق عليه لقب (محامي الشعب) و(محامي الأرض)، كما لعب اميل توما في تقديم المعرفة بالتاريخ الفلسطيني، والتعريف بجذور القضية الفلسطينية، وأدت مجلة (الجديد) وصحيفة (الإتحاد) وظيفة ثقافية معرفية من خلال احتضانها لجيل من المبدعين من أدباء وشعراء، كان من بينهم محمود درويش، سميح القاسم، حنا ابراهيم، حنا ابو حنا، راشد حسين، سالم جبران، وجيل من الأدباء الذين اتجهوا الى القصة والرواية والدراسات النقدية.
وكان توفيق زياد في اطار هذه الإنجازات والتحولات هو احد ابرز الفرسان، فهو القائد السياسي الميداني، وهو في الوقت نفسه الأديب والشاعر، ووصفه بالقائد الميداني وصف دقيق، إذ لم يكن يعمل في الغرف المغلقة، بل كان دائما في مقدمة الجماهير في الميادين والساحات، ومن الميدان كان يستلهم قصائده وقصصه، ومن التراث والسجايا التراثية التي تعبرعن العادات والتقاليد والأمثال والحكم، والحكايا والخراريف والملاحم الشعبية، وأغاني الحصاد، وأهازيج الأفراح، والأثواب التقليدية المطرزة، من هذا كله استلهم وحافط على تراث مهدد بالضياع.
هكذا جمع توفيق زياد بشكل مبدع وخلاق بين الوعي والممارسة، بين الكلمة والفعل، فكان نموذجا فريدا للمثقف الثوري، والثورية هنا لا تعني الشعار، وانما تعني الدور الطليعي، والوظيفة الاجتماعية الواعية، وهي من صفات القادة الذين يخرجون من صفوف الجماهير، صفوف الفقراء والبسطاء والمظلومين والمغلوبين على أمرهم.
هذا القائد الميداني لم تكن مساحة حضوره في الساحة المحليّة، وانما كان حضوره في ساحات قومية وانسانية عديدة، لم يكن رجلا ذا بعد واحد، وانما فكره الذي يؤمن بالتعددية كان يضفي على شخصيته أبعادا متعددة، واهتمامات وجودية كفاحية وانسانية، فقد امتدت صلاته الوثيقة مع قضايا وطنه العربي، فكان دعمه اللا محدود لمنظمة التحرير، وحركات التحرر العربية والعالمية، والحركات العمالية في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، والوقوف مع الشعوب المغلوبة والمقهورة، ومع قضية الإنسان في كل مكان.
لا تستطيع كلمات قليلة في هذه العجالة ان تلم بتاريخه الحافل، ومسيرته التاريخية، وسجاياه الإنسانية، وتراثه الأدبي والفكري، وان تنصفه، وتضعه في المقام العالي الذي يستحق، ولا تستطيع أن ترقى الى ذلك الوفاء الكبير الذي منحه اياه شعبه وأمّته، وحسبنا هنا أن نأخذ من ذكرى رحيله العشرين قبسا يضيء لنا دربا، وان نتطلع الى أن تتخذه الأجيال نموذجا وأمثولة، وان نستخلص من صفات هذا القائد قيم انكار الذات، والتفاني في العمل والممارسة، وثقافة الحرية والتنوير.

اخبارنا

رواية راكب الريح للكاتب يحيى يخلف

2016-12-12 09:45:13 | يحيى يخلف

رواية "راكب الريح" للكاتب يحيى يخلف"راكب الريح"... يحصد الـ"كتارا" ويصل الناصرة تاريخ النشر: 11/12/2016 - 12:03 عرب...

>> المزيد |